السبت، 25 سبتمبر 2010

إعادة تخطيط الأماكن على أسس معمارية وحضارية حديثة: نقل مقابر القاهرة لتخليصها من «عشوائيات الأحياء» بحلول 2050



إعادة تخطيط الأماكن على أسس معمارية وحضارية حديثة
نقل مقابر القاهرة لتخليصها من «عشوائيات الأحياء» بحلول 2050
القاهرة ـ محمود عبدالرحمن
readers 67

  
القاهرة- محمود عبد الرحمن
بعد قرار وزارة الاسكان والمرافق بنقل المقابر الموجودة داخل الكتلة السكنية في العاصمة الى التجمع الخامس و6 أكتوبر في اطار مشروع التخطيط الشامل للقاهرة وجعلها خالية من المشاكل والعشوائيات بحلول 2050 على اعتبار أن المقابر تمثل أحد مظاهر العشوائيات الخطيرة لكونها مأوى لتجار ومتعاطي المخدرات والخارجين على القانون وتجذب التجمعات الحرفية العشوائية كيف يتم استثمار المساحات الشاسعة في قلب العاصمة بعد نقل المقابر على أسس معمارية وحضارية تحقق أقصى استفادة منها؟ «النهار» توجهت بهذا التساؤل الى خبراء البيئة والتخطيط والاجتماع والاقتصاد فأكدوا أن التخطيط الجيد منذ البداية لهذه المساحات الشاسعة التي كانت تحتلها المقابر الموجودة في قلب العاصمة وفي مناطق حيوية يضمن عدم عودة العشوائيات مرة أخرى.وقالوا ان التطبيق الصارم للاشتراطات الموضوعة منذ البداية وعدم السماح بأي تجاوزات كما حدث في مناطق أخرى هو الذي يضمن التنفيذ الكامل للمخطط الذي يتم وضعه ويمنع زحف التجمعات الحرفية والخارجين على القانون. وطالبوا بأن يخصص الجزء الأكبر للمناطق الخضراء لتكون رئة جديدة للقاهرة تساهم في تنقية الهواء ومنع التلوث الذي وصل الى معدلات كبيرة تفوق الكثير من المعدلات العالمية .

وتقول وكيل معهد الدراسات والبحوث البيئية بجامعة عين شمس د. ماجد عبيد ان نقل المقابر الموجودة في الكتلة السكنية في العاصمة بما تشكله من مصدر خطير للتلوث كان ضرورة تأخرنا فيها كثيرا رغم تأكيد شيخ الأزهر أكثر من مرة على جواز نقل رفات الموتى بعد فترة من الوقت ولكن حتى بعد هذا التأخر في اتخاذ القرار لأسباب عديدة لامجال لذكرها الآن فعلينا أن نستثمر هذه المساحات الشاسعة من الأراضي التي تحتلها المقابر وسط القاهرة لتكون رئة خضراء للعاصمة التي تعاني من مشكلات بيئية في كل المجالات بصورة كبيرة.

وأضافت «يجب أن يخصص الجزء الأكبر من هذه المساحات لاقامة مسطحات خضراء تعوض النقص الشديد الذي نعاني منه فيها حيث تؤكد الدراسات أن نصيب الفرد من المسطحات الخضراء لايتجاوز 4. في المئة بينما المعدلات العالمية لا تقل عن 40 في المئة وهو ما يعني أن هناك تفاوتا رهيبا في النسبة يجب أن نسعى بكل الطرق الى الحد منها قدر الامكان ولن يكون هذا الا بالمحافظة على المساحات الموجودة بالفعل وان كانت قليلة مع اضافة مساحات جديدة كلما حانت الفرصة.

وأشارت الى أن اعادة تخطيط هذه الأماكن مع مراعاة الالتزام بالاشتراطات البيئية سيغير من شكلها تماماً وأبلغ مثال على ذلك ما حدث في المنطقة الواقعة بين ميدان رمسيس وميدان العباسية التي كان يطلق عزبة القرود التي تحولت الى ما يسمى بحديقة رمسيس حيث اختلفت الصورة فيها تماما فبعد أن كانت مثالا صارخا لكل أنواع التلوث أصبحت مكانا حضاريا صالحا للحياة.

وأوضحت أن نقل التجمعات الحرفية من ورش الدوكو والسمكرة والحدادة التي أنشئت بجوار المقابر سيساهم أيضا بشكل كبير في تنقية هواء القاهرة حيث ان هذه الأنشطة تمثل أحد أهم العوامل لتلوث الهواء والدليل على ذلك ارتفاع نسبة الاصابة بالأمراض الصدرية بين سكان هذه المناطق.

وأكدت على ضرورة أن تستغل هذه المساحات الشاسعة من الأراضي التي ستنتج عن نقل المقابر في أنشطة صديقة للبيئة تراعي الاشتراطات العالمية في هذا المجال وعدم السماح من البداية بأي تجاوزات حتى لو كانت بسيطة لأنه اذا حدث ذلك سيمثل خسارة كبيرة ويساعد على تلوث هواء القاهرة أكثر مما هو حادث الآن.

البداية الحقيقية

أما أستاذ العمارة نائب رئيس مركز البحوث المعمارية والتخطيطية د.أحمد الدمرداش فيرى أن نقل المقابر الموجودة داخل الكتلة السكنية بالقاهرة يمثل البداية الحقيقية للتخلص من العشوائيات التي تعاني منها العاصمة حيث ان هذه المقابر تمثل أكبر كتلة عشوائية مجمعة وتضم أعداداً هائلة من السكان بسبب أزمة الاسكان التي نعاني منها وكذلك أنشطة عديدة ملوثة للبيئة ولم تخضع لأي تخطيط وأقيمت في غفلة من أجهزة المحليات والوزارات المسؤولة. وأضاف أن تخطيط هذه الأماكن يجب أن يخضع لمنظور علمي متكامل يراعى كل الجوانب الاقتصادية والبيئية والمعمارية التي تضمن تحقيق أقصى استفادة من هذه المساحات الشاسعة التي تتجاوز آلاف الأفدنة وتقع في مناطق حيوية في قلب العاصمة ويمكن اقامة مسابقة عالمية يشارك فيها مكاتب التصميمات العالمية للخروج بتصميم جيد يحدث نقلة نوعية في هذه الأماكن، خاصة أن هناك تجارب عالمية ناجحة في هذا المجال مثل التجربة الصينية التي تمت فيها ازالة أحياء عشوائية بالكامل واقامة مدن على أعلى مستوى بدلاً منها، وكذلك التجربة اللبنانية التي نفذها رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري فقد كانت بيروت بعد الحرب الأهلية أشبه بمدينة عشوائية من كل الجوانب فتم وضع مخطط حديث لمنطقة بيروت، وخاصة منطقة الوسط فأصبحت هي العاصمة الحديثة.

وأشار الى ضرورة أن يكون التخطيط ذا نظرة مستقبلية ويراعي التوسعات التي يمكن أن تحدث مستقبلا بشرط أن تكون توسعات أفقية وليست رأسية حتى نتلافى المشاكل التي تنشأ عن التوسع الرأسي الذي حدث في مدينة نصر التي كان يفترض ألا تتجاوز فيها الارتفاعات 4 طوابق ولكن مع وجود الاستثناءات والغرامات على المخالفين تحولت الى كتل خرسانية تصل الى عشرات الأدوار وأصبحت مرافقها وخدماتها تعاني من مشاكل عديدة. كما يجب عدم السماح باقامة أنشطة تساعد على زيادة الكثافة في المنطقة كالمولات التجارية والأنشطة المماثلة، ولكن من الممكن أن تكون مركزاً للتوكيلات التجارية العالمية أو مكاتب لادارة شركات التكنولوجيا والاتصالات بجانب تخصيص جزء للسكن مع مراعاة وجود جراج في كل منشأة تقام لمنع تكدس السيارات في الشوارع.

جهات عديدة

وتقول أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية د.وفاء السيد «كان من الطبيعي أن تتحول منطقة المقابر في قلب القاهرة الى مناطق عشوائية تجذب تجار ومتعاطي المخدرات والخارجين على القانون لأن هذه المناطق أقيمت على غير أسس علمية ومن الصعب على أجهزة الأمن مراقبة التحركات فيها بسبب ضيق شوارعها وعدم وجود خريطة لها بالاضافة الى نوعية السكان المقيمين بها، حيث ان الغالبية منهم مستواهم التعليمي والثقافي متدني ومن ثم يمارسون كل الموبقات التي يمكن أن تحدث في المناطق العشوائية». وأضافت أن سكان هذه المناطق ليسوا وحدهم الذين يتحملون مسؤولية ما وصلت اليه، ولكنهم أضعف حلقة في السلسلة فهناك جهات أخرى تتحمل ذلك يأتي على رأسها أزمة الاسكان الطاحنة التي يعيشها الكثيرين والتي أدت الى السكن في هذه الأماكن والمحليات التي سمحت من البداية بوجود العديد من الأنشطة في هذه الأماكن مثل ورش السمكرة والدوكو بالاضافة الى اهمال السكان بها لسنوات طويلة وعدم وجود سياسة واضحة لتفريغ هذه المناطق من السكان وايجاد مأوي بديل لهم حتى لا تستفحل ظاهرة العشوائيات. وأشارت الى ضرورة أن يشمل التخطيط المنتظر لهذه المناطق اقامة منشآت ثقافية واجتماعية تكون بمثابة مصدر اشعاع في المنطقة وكذلك المناطق المجاورة، حيث ان معظمها مناطق شعبية وهذا هو السبيل للارتقاء بالمستوى الفكري والثقافي لسكان هذه المناطق.

المشاركة أفضل

ويقول أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة د. صلاح الدسوقي: ان هذه المناطق بعد ازالة المقابر منها يجب أن تدار بطريقة غير تقليدية بحيث يكون هناك نوع من المشاركة بين القطاعين العام والخاص في ادارتها لأن التجارب على المدى الطويل أثبتت قدرة القطاع الخاص على ادارة المشروعات بصورة أفضل بدليل اتجاه الدولة نفسها حاليا الى خصخصة الكثير من الأنشطة ودعوة القطاع الخاص للمشاركة في اقامة مشروعات البنية الأساسية. وحذر في الوقت نفسه من بيع الأراضي في هذه الأماكن مطالباً بأن تقام الأنشطة فيها بنظام حق الانتفاع وليس التمليك أو البيع، بحيث يتم الحفاظ على أصول الدولة وخاصة أن قيمة الأراضي في هذه المناطق وخاصة بعد تطويرها وازالة المقابر منها ستتجاوز عشرات البلايين من الجنيهات ويمكن في هذا الاطار أن نستعين بفكرة اقتصادية بسيطة وهي أن يكون الجميع شركاء في المكان بنسبة ما يشغل من مساحة وليس بنسبة ما يمتلك فهذا يضمن أن تظل الأراضي ملك الدولة وتستفيد من أي ارتفاع يحدث في الأسعار كما أنه يساعد على استمرار التطوير والتحديث في المنطقة


Posted by: Aya Deif.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق